محمد بن محمد النويري

137

شرح طيبة النشر في القراءات العشر

وبهذا التفصيل تبين عذر الأئمة في عدهم الشاذ ما زاد على العشرة ؛ لندور أن يكون في الزائد عليها ما يجمع الشروط ، ولا سيما إذا روعى قول الهذلي : ألا يخالف الإجماع ، أي : لا يوجد عند أحد إلا عند ذلك القارئ . وانظر قول الشيخ تقى الدين بن تيمية المبدّأ به حيث قيد جواز القراءة بقراءة الأعمش مثلا : أن تثبت عند القارئ كما تثبت عنده قراءة حمزة والكسائي ، فإن هذا الشرط الذي أشار إليه متعذر الوفاء ؛ لأن قراءة حمزة والكسائي قد رويتا من طرق متعددة إليهما لا تدانيهما في ذلك القراءة المنسوبة إلى الأعمش ، لا من حيث كثرة الطرق إليهما ، ولا من حيث ما حصل لقراءتهما من التلقي بالقبول من بعد عصر الأئمة المجتهدين من أول القرن الرابع ، وهلم جرّا . وانظر تقييد الداني بقوله : التي لا شذوذ فيها ، فإنه ينبغي تفسيره بما أشار إليه الهذلي من مراعاة الإجماع ، والعمدة فيما ذكرته إطباق أئمة الفقه والأصول على أن الشاذ لا يجوز تسميته قرآنا ، والشاذ ما وراء العشرة على المختار ، فهذا هو المعتمد ؛ لأن الرجوع في الجواز وعدم الجواز إنما هو حق لأئمة الفقه الذين يفتون في الحلال والحرام ، ثم اقتضى التحقيق اعتبار الشروط في المنقول عن العشرة بل وعن السبعة ، وإلى ذلك يشير قول الشيخ تقى الدين السبكي في آخر كلامه ؛ فلذلك اخترت الاعتماد عليه ، وقد ذكر الشيخ أبو شامة في كتابه « المرشد » - وهو ممن كان اجتمع له التقدم في الفقه والحديث والقراءات - فصلا في ذلك مبسوطا في شرح ما ذكرته وما ذكره الشيخ تقى الدين السبكي ، وهذا نصه : فصل : واعلم أن القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها قد انتهت إلى القراء السبعة المتقدم ذكرهم ، واشتهر نقلها عنهم ؛ لتصديهم لذلك وإجماع الناس عليهم ، فاشتهروا بها كما اشتهر في كل علم من الحديث والفقه والعربية أئمة اقتدى بهم وعول فيه عليهم ، ونحن وإن قلنا : إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت وعنهم نقلت ، فلسنا ممن يقول : إن جميع ما روى عنهم يكون بهذه الصفة به ، بل قد روى عنهم ما يطلق عليه أنه ضعيف ؛ لخروجه عن الضابط باختلال بعض الأركان الثلاثة ، ولا ينبغي أن يغترّ بكل قراءة نقلت تعزى إلى واحد من هؤلاء ويطلق عليها لفظ الصحة ، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط ، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره . والحاصل أن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءاتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما تركن إلى ما ينقل عن غيرهم .